عبد الوهاب الشعراني

179

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

وحكى الشيخ يوسف الحريثي رحمه اللّه قال : لما حججت سهرت ليلة في الحرم خلف المقام وكانت ليلة مقمرة فلما راق الليل دخل جماعة يخفق النور عليهم فطافوا وصلوا خلف المقام ، وجلسوا يسيرا ، فجاءهم شخص وقال : يعيش رأسكم في الشيخ علي ، فقالوا رحمه اللّه ، فقال : من يكون موضعه ؟ فقالوا : حسن الخلبوص بناحية زفتى بالغربية ، فقال : أناديه فقالوا نعم ، فقال يا حسن ، فإذا هو واقف على رؤوسهم عليه ثوب معصفر ، ووجهه مدهون بالدقيق وعلى كتفه سوط ، فقالوا له كن موضع الشيخ علي ، فقال على الرأس والعين وذهب ، فلما رجعت إلى بلادي فقصدته بالزيارة في خان بنات الخطاء فوجدت واحدة راكبة على عنقه ويداها ورجلاها مخضوبتان بالحناء وهي تصفعه في عنقه ، وهو يقول لها برفق ، فإن عيناي موجعتان ، فأول ما أقبلت عليه قال لي مبادرا يا فلان زغلت عينك ، وغرك القمر ما هو أنا فعرفته أنه هو ، وأمرني بعدم إشاعة ذلك . وحكى سيدي محمد بن عنان رحمه اللّه قال : حججت سنة من السنين فلما وقفت بعرفة قلت في نفسي ، يا ترى من هو صاحب الحديث اليوم في هذا الموقف ، فإذا بالقائل يقول لي : هو أبو علي معداوي دجوة ، فلما رجعت إلى مصر قصدته بالزيارة فإذا هو رجل زفر اللسان ، يشتم الناس وفي رجليه مركوب مكعوب ، وعمامته مخططة بأزرق كعمامة النصارى ، فأول ما رآني ، قال لي اكتم ما معك ، ثم عزل عليّ وأدخلني داره . وضيفني ، فقلت له بم نلت هذه المنزلة ؟ فقال : لا أعلم ولكني رأيت صبيا في جامع في قماطة فأخذته وأعطيته لامرأة في بلد أخرى ترضعه وجعلت لها أجرة وأشعت أنه ولدي ليس في ثدي أمه لبن ، فلم أزل أتردد إليه حتى كبر وفطم ، فإن كان اللّه تعالى أعطاني شيئا فهو لستري على أم ذلك المولود ، قال : ثم أخذ علي العهد بالتستر له ، وقال إياك ثم إياك أن تذكرني بذلك حتى أموت ا ه . ورأيت سيدي عليا الخواص يرسل الناس الذين لهم حوائج عند اللّه تعالى ويقول لهم : روحوا إلى جامع الملك الظاهر بمصر يوم الأربعاء في صلاة العصر فاسقوا الشجرة النبق التي فيه ، وقولوا : يا أولياء اللّه اقضوا حاجتي نقض حاجتكم ، فكانوا يذهبون ويسقونها فيقضي اللّه حوائجهم ، فبلغ ذلك العالم الذي قدمنا أنه مقت فأنكر على الشيخ وقال : إيش خلى هذا لعباد الأوثان ؟ فأعلمت الشيخ بذلك ، فقال : إنما أرسل الناس في حيلة سقي الشجرة سترة للأولياء الذين يجتمعون تحتها يوم الأربعاء ليقضوا حاجة كل من راح هناك حين يسمعونه يذكر ذلك للشجرة ، وكان ذلك كاللغز بينه وبين الأولياء الذين يصلون العصر تحتها في كل يوم أربعاء ، وإلا فهو يعلم أن اللّه تعالى لم يجعل للشجرة قضاء حاجة أحد من الناس ، ولولا أن الأولياء الذين يحضرون يحبون الخفاء ويتشوشون من إظهارهم للناس لكان الشيخ يرسل الناس إليهم دون الشجرة ، فلذلك راعى الشيخ خواطرهم .